فخر الدين الرازي
274
المطالب العالية من العلم الإلهي
والمطالبات عليهم متوجهة ، ولما حكم صريح عقل ذلك الصبي بأن تلك اللطمة الواحدة لا يجوز خلوها عن التكليف ، والأمر والنهي ، فأفعال كل الخلائق مع كثرة ما فيها من المصالح والمفاسد ، أولى بأن لا يجوز خلوها من التكاليف . وأما دلالة هذه اللطمة على المطلوب الثالث وهو حصول ذات الثواب والعقاب . فنقول : إن ذلك الصبي إذا عرف أن ذلك الإنسان لطمه بغير سبب ، فإنه يطلب منه القصاص . فإن عجز عن استيفائه ، استغاث بمن يعينه على تحصيل ذلك المطلوب ، وهذا يدل على أن صريح عقله حكم [ بأنه لا بد للحسنة من ثواب ، ولا بد للسيئة من عقاب ، ولما كان صريح عقله حكم ] « 1 » بأن هذه اللطمة لا يمكن إخلاؤها عن الجزاء أو القصاص ، فكيف يمكن إخلاء أفعال كل الخلق « 2 » [ عن القصاص « 3 » ؟ وأما دلالة هذه اللطمة على المطلوب الرابع وهو بعثة الأنبياء [ عليهم السلام ] « 4 » فهو أن الصبي إذا قرر أنه لا بد من القصاص ، فعند ذلك يطلب إنسانا يبين له ذلك القصاص بحيث يكون خاليا عن الزيادة والنقصان . وهذا يدل على أنه تقرر في عقله أنه لا بد في الخلق من إنسان يبين لهم مقادير المرغبات ، ومقادير الزواجر ، وذلك الإنسان ليس إلا الرسول . فظهر بهذا البيان الذي بحثناه « 5 » : أن هذه اللطمة الواحدة ، كافية في إثبات هذه المطالب الأربعة الشريفة العالية [ ومن اللّه التوفيق ] « 6 » الطريق الثالث : وهو طريق الباحثين عن حقيقة المدة والزمان . قالوا : إن بديهة العقل حاكمة بأن كل محدث ، فإنه لا بد وأن يكون وجوده متأخرا عن غيره . وهذا العلم علم بديهي لا يشك العاقل فيه . وإذا ثبت هذا فنقول : لما كان هو متأخرا عن غيره [ كان غيره ] « 7 » متقدما عليه . وذلك الأمر الموصوف بهذا التقدم والقبلية ، إما أن يكون عدما أو وجودا . والأول باطل . لأن العدم المتقدم يشارك العدم المتأخر في المفهوم من كونه عدما ، ويخالفه في القبلية والبعدية ، وما به المشاركة غير ما به المخالفة ، فوجب أن يكون المفهوم من
--> ( 1 ) من ( س ) . ( 2 ) العباد ( س ) . ( 3 ) من ( ز ) . ( 4 ) من ( س ) . ( 5 ) لخصناه ( س ) . ( 6 ) من ( ز ) . ( 7 ) من ( س ) .